في عام 2008 و في شهر يونيو على وجه التحديد ؛ أثارت قضية قضائية الرأي العام المصري حول حادثة تحرش جنسي ضد فتاة مصرية تعمل في إنتاج الافلام القصيرة في أجواء كانت ظاهرة التحرش الجنسي تقلق الناشطين في مجال حقوق الإنسان في مصر و أصرت تلك الفتاة (الضحية) على مواصلة متابعة الاجراءات القانونية و القضائية في تلك القضية عندها (تطوعت) محامية مصرية و ناشطة في مجال حقوق الانسان و رئيسة لجمعية (حقوقية) للدفاع عن الفتاة و تمثيلها أمام المحكمة التي أصدرت حكما عدَه المتابعون سابقة قضائية  في مثل هذه القضايا ؛ حيث حكمت على المتهم بالحبس ثلاث سنوات مع الشغل , و حكمت بتعويض الضحية بمبلغ 5001 جنيه من المتهم على سبيل التعويض المؤقت , و قوبل الحكم يومها بابتهاج من المهتمين بقضايا المرأة حيث أنه سيضع حدا لظاهرة التحرش الجنسي التي كانت تتزايد بشكل لافت .

إلا أن المفاجأة أن المحامية و (الناشطة ) في حقوق الانسان التي تطوعت للدفاع عن الفتاة من منطلقات حقوقية صرفة أعلنت بعد أيام من صدور الحكم بأنها تخلت عن القضية و تنحت عن مواصلة الدفاع عن المجني عنها و لم تكتفي بذلك بل قررت أن تقفز إلى الضفة الأخرى و تقرر بأنها سوف تستأنف الحكم لصالح المتهم و الذي أدين بالتحرش و كانت أسباب ذلك الانقلاب المفاجئ- و كما جاء في مقابلة مع المحامية في صحيفة اليوم السابع في 31 اكتوبر 2008 – أنها اكتشفت أن الفتاة تحمل جوازاً إسرائيلياً و أنها لا يشرفها أن تكون محامية لفتاة اسرائيلية حتى و لو كانت من عرب 48 (فأنا اعتبر كل من يحمل جنسية المحتل خائنا و محتلا و عميلا) كما جاء على لسانها بالنص .

تلك القصة القصيرة في أحداثها العميقة في معانيها تختزل نقاشا يتردد دائما حول الاختلاف ما بين العمل الحقوقي و النشاط السياسي و الذي يستتبع بالضرورة التباين ما بين الحقوقي و السياسي من حيث الفضاءات التي ينشط فيها كل منهما و كذلك من حيث القيم و المرجعيات الفكرية و الثقافية التي يرتكزون اليها و الاليات التي يستخدمونها لتحقيق أهدافهم .

فالعمل السياسي ليس بالضرورة أن يكون ملتزما بالمبادئ الاخلاقية و الانسانية الصارمة فهو ينزع في احيان كثرة إلى المصالح الذاتية سواء كانت لجماعة أو كانت مصالح فردية مجردة و تلك القاعدة ليست حكراً على الناشطين بل و تشمل الدول و الأنظمة السياسية التي تحركها قواعد اللعبة السياسية و اتجاه رياحها , لذا نجد التباين في المواقف السياسية في قضية متطابقة الأوصاف إلا أنها (سياسيا) محل تجاذب و تنافر بين القوى السياسية المتباينة .

إلا أن العمل الحقوقي يختلف عن ذلك كله لأنه يعتمد و بشكل أساسي على قيم مطلقة تحكم إيقاع حركته و تضبط أنشطته فهو يتعاطى مع الممارسات وفق مرجعية قانونية محلية اضافة إلى نصوص الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الدولة و بالتالي اصبحت جزء من المنظومة القانونية لها و بالتالي فإنه لا مجال لتسييس حقوق الانسان و اتخاذها فزَاعة سياسية تستخدم في الصراعات السياسية لأن القيم الحقوقية تتسامى عن ذلك كله .

و بالعودة للقصة (القصيرة) التي افتتحت بها هذه المقالة نجد أن الزميلة المحامية تبنت القضية ابتداء وهي ترتدي قبعة (الحقوقية) لأن دافعها في تبني القضية كان لقيمة حقوقية مطلقة خصوصا و أنها ترأس منظمة حقوقية تناهض ممارسات العنف , إلا أنها سرعان ما خلعت تلك القبعة لترتدي قبعة (السياسي) لتعاود تقييم القضية من خلال رؤيتها السياسية لزاوية لا علاقة له بالجانب القانوني أو الحقوقي في القضية , فهي يفترض أن تناهض (ممارسة) تخالف قيمة حقوقية بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى و دون النظر إلى جنس أو عرق أو جنسية الضحية , هنا يتبين و بوضوح شديد عملية (عجن) الحقوق بالسياسية ؛فمن حقك الكامل أن تكون لك أراؤك السياسية تجاه أي قضية لكن لا يمكن لك أن تسقطها على عملك الحقوقي أو توظفها إذا ما قررت يوما أن تلج فضاءات العمل الحقوقي .

عملية (تبديل الطواقي) اصبح ظاهرة هذه الايام فمن الطبيعي أن تجد شخصاً يُحرَض في الصباح على مخالفيه الفكريين أو السياسيين , و يدعو إلى قمعهم و سحب جنسيات بعض منهم , و في المساء يسح دموع التماسيح على حقوق بني قومه و عشيرته في (الجماعة) في دولة ما لأنها أوقفتهم أو سحبت جنسيات بعضا منهم , و مع ذلك ينام ذلك (الناشط) قرير العين ليصحو و يبدأ التغريد الوعظي عن العدالة و المساواة و إنشاد قصيدة (لا تصالح) في مسلسل لا ينتهي من تبديل الطواقي .

(جريدة الجزيرة السعودية 15 – 8 – 2012)