كانت المقالة الصحفية يومًا ما إحدى أهم أدوات تشكيل الرأي العام وصناعة الحراك الثقافي والفكري والسياسي. وكانت صفحات الرأي ساحاتٍ للمساجلات الفكرية الجادة، يقودها كتّاب ومفكرون ورواد تركوا أثرًا عميقًا في الوعي العام. ولم يكن الوصول إلى منصة المقالة الصحفية أمرًا يسيرًا؛ إذ كان الكاتب يمر بمراحل طويلة من القراءة والتجربة والتأهيل قبل أن يُمنح شرف مخاطبة الجمهور.

ومع بداياتي في صحيفة الوطن عام 2000، تزامنًا مع انطلاقتها، كانت المقالات التي ننشرها تُتداول بين الناس، وتثير النقاشات والردود والتعقيبات، في مشهد ثقافي وفكري نابض بالحياة. وكان أمامنا جيل من الأساتذة والرواد الذين يقودون الرأي العام عبر الكلمة الرصينة والفكرة العميقة، وكانت المقالة الصحفية إحدى أهم أدوات التغيير الاجتماعي والثقافي في المملكة العربية السعودية.
أما اليوم، فقد تراجع كثير من وهج المقالة الصحفية، حتى امتهنتها بعض المنابر إلى حدٍّ بات معه بعض مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي وأرباب المساحات الصوتية يصلون إلى صفحات الصحف الرسمية دون رصيد معرفي أو تجربة كتابية حقيقية تبرر ذلك الحضور. والأخطر من ذلك أن بعضهم يتباهى بهذا الظهور وكأنه إنجاز شخصي، بينما يعكس في حقيقته تراجعًا في المعايير التحريرية الصارمة التي كانت تحكم المؤسسات الصحفية وتحافظ على مكانة المقالة وهيبتها.
وزاد الأمر سوءًا أن بعض المقالات أصبحت مجرد إعادة تدوير لما يُتداول في منصات التواصل الاجتماعي، أو إعادة صياغة لمحتوى المساحات الصوتية بالاعتماد شبه الكامل على أدوات الذكاء الاصطناعي، دون إضافة فكرية أو رؤية مستقلة أو جهد بحثي حقيقي.
إن المقالة الصحفية ليست ساحةً لتصفية الحسابات الشخصية، ولا منبرًا للخصومات الفردية، بل رسالة ومسؤولية وأداة وعي وتنوير. وستظل قيمتها مرتبطة بعمق الفكرة وأصالة الكاتب وقدرته على الإضافة، لا بقدرته على جمع ما يتداوله الآخرون وإعادة إنتاجه. فالمقالة التي كانت يومًا منارةً للفكر والتغيير الاجتماعي تستحق أن تستعيد مكانتها، وأن تُصان من الابتذال الذي أفقدها كثيرًا من تأثيرها وهيبتها.